أبو الليث السمرقندي
521
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فأخرجوه . وذكر عن محمد بن جعفر نحو هذا . وقد تأوله بعضهم وقال ثُمَّ بمعنى الواو فيكون على معنى الجمع والعطف ، لا على معنى التراخي والترتيب . ومعنى قوله : اسْتَوى أي استولى ، كما يقال فلان استوى على بلد كذا يعني : استولى عليه فكذلك هذا . معناه : خالق السماوات والأرض ، ومالك العرش . ويقال : ثم صعد أمره إلى العرش . وهذا معنى قول ابن عباس . قال صعد على العرش . يعني : أمره ، ويقال قال له : كن فكان ، ويقال : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي كان فوق العرش قبل أن يخلق السماوات والأرض ، ويكون عَلَى بمعنى العلو والارتفاع ، ويقال استوى يعني استولى . وذكر أن أول شيء خلقه اللّه تعالى القلم ثم اللوح . فأمر القلم بأن يكتب في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة . ثم خلق ما شاء . ثم خلق العرش ثم حملة العرش ثم خلق السماوات والأرض . وإنما خلق العرش لا لحاجة نفسه ولكن لأجل عباده ليعلموا أين يتوجهون في دعائهم لكي لا يتحيّروا في دعائهم ، كما خلق الكعبة علما لعبادتهم ، ليعلموا إلى أين يتوجهون في العبادة . فكذلك خلق العرش علما لدعائهم ليعلموا إلى أين يتوجهوا بدعائهم . ثم قال تعالى : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يعني : إن الليل يأتي على النهار فيغطيه ولم يقل يغشي النهار الليل لأن في الكلام دليلا عليه . وقد بيّن في آية أخرى يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [ الزمر : 5 ] فكذلك هاهنا معناه يغشي النهار الليل ويغشي الليل النهار . يعني : إذا جاء النهار يذهب بظلمة الليل وإذا جاء الليل يذهب بنور النهار . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر يُغْشِي بتشديد الشين ونصب الغين . وقرأ الباقون بجزم الغين مع التخفيف ، وهما لغتان غشّى ويغشّي وأغشى يغشي بقوله يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي : سريعا في طلبه أبدا ما دامت الدنيا باقية . ثم قال : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي جاريات مذللات لبني آدم بأمره . قرأ ابن عامر وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ كلها بالضم على معنى الابتداء . وقرأ الباقون بالنصب . ومعناه خلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ثم قال : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ألا كلمة التنبيه ، يعني : اعلموا أن الخلق للّه تعالى ، وهو الذي خلق الأشياء كلها وأمره نافذ في خلقه . قال سفيان بن عيينة : الخلق هو الخلق والأمر هو القرآن وهو كلام اللّه ، وليس بمخلوق ، ولا هو بائن منه ، وتصديقه قوله : ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ [ الطلاق : 5 ] ويقال : الأمر هو القضاء ، ثم قال تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما يعني : تعالى اللّه عما يقول الظالمون ، ويقال تبارك اللّه تفاعل من البركة أي : ذو البركة يعني : أن البركة كلها من اللّه تعالى . والبركة فيما يذكر عليه اسم اللّه رب العالمين . أي : سيد الخلق أجمعين فلما وصف وبالغ في ذلك وأعجزهم فأمرهم بأن يدعوه فقال :